أربعة أسباب لانخفاض سعر النفط في 2017

يوم 30 نوفمبر 2016، اتفق منتجو النفط الأعضاء وغير الأعضاء في أوبك على تخفيض الإنتاج بوتيرة 1.2 مليون برميل يومياً واعتبر هذا الاتفاق حينها تاريخياً بسبب التمكن من تخطي تضارب المصالح بين الدول المجتمعة وأيضاً لأن الأسواق لم تشهد قراراً مماثلاً منذ العام 2009. وراح الكثيرون من متابعي الأسواق المالية يضعون أهدافاً لارتفاعات النفط المرتقبة بعد القفزة التي شهدها سعر برميل النفط الأميركي، حيث ارتفع من 48

إلى 53 دولار للبرميل الواحد. ولم ينقض أكثر من أسبوعين على موجة الزخم الإيجابي حتى رأينا أن السعر لم يستطع تجاوز عتبة الـ 55 المهمة وكذلك المراوحة الحالية بين مستوى 50 و52 أعادت السؤال حول فعالية قرار التخفيض الأخير وحول الأسباب التي تحول دون الارتفاع مجدداً إلى مستويات الـ 60 وما فوق للبرميل الواحد. فما هي التحديات أمام النفط في العام 2017 ولماذا أعادت الترجيحات الحالية حكمها السلبي على سعر هذه السلعة؟

 

السبب الأول وراء انخفاض السعر يتمثل في اختلال التوازن بين العرض والطلب، فبالرغم من دخول التخفيض حيز التنفيذ ولا سيما من قبل المملكة العربية السعودية، إلا أن الأرقام الحديثة التي نشرها المعهد الأميركي للطاقة تشير إلى أن مجمل الطلب النفطي حول العالم وصل إلى 95.57 مليون برميل يومياً في العام 2016، فيما وصل الإنتاج الإجمالي إلى 96.44 مليون برميل يومياً، ما يعني أنّ السوق النفطي ما زال يعاني من تخمة في العرض ما سيشكل ضغطاً سلبياً على الأسعار في الأسواق المالية العالمية في حال استمرار هذا الواقع، لا سيما مع قيام دول كالعراق وليبيا ونيجيريا والمكسيك بزيادة إنتاجها دورياً من أجل استعادة أو توسيع حصتها السوقية.

 

يتمثل العامل الثاني بتراجع الطلب النفطي من قبل القطاع الصناعي في الصين، الذي شكل الدعامة الأساسية للارتفاعات التي شهدها سعر النفط بين العامين 2005 ون2007 وهذا مرده إلى التحول الاقتصادي الذي تبتغيه الحكومة الصينية من خلال التوجه التدريجي للاعتماد على سوقها المحلي الضخم، بدلاً من استراتيجية التوسع عبر قنوات التجارة الدولية التي اعتدناها منذ عقدين على الأقل. الملفت في هذا السياق، هو أن مستوى التضخم الصيني ارتفع من 1.44% في العام 2015 إلى 2.32% في العام 2016، في إشارة واضحة إلى سرعة وجدية التحول المشار إليه، وبالتالي ستتراجع و إن بشكل بطيء الرغبة في تأمين المؤونة النفطية اللازمة لضمان تفوق الصين كبلد اعتمد بشكل أساسي على التصدير ويستدير اليوم نحو سوقه المحلي.

 

العامل الثالث الذي يدعم هذا الرأي هو قوة الدولار الأميركي ولا سيما بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية وتسويقه لسياسة اقتصادية حمائية ولبرنامج ضريبي يصب في صالح الشركات الأميركية، مما أدى إلى تدفق رؤوس الأموال إلى سوق الأسهم الأميركي وارتفاع الطلب على الدولار من قبل المستثمرين لشراء الأسهم الأميركية التي تشهد حالياً أعلى مستوى تاريخي لها. إضافةً لذلك، ساهمت السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي بارتفاع مؤشر الدولار نتيجة الزيادة التدريجية في معدل الفائدة الأساسية غلى هذه العملة، في الوقت الذي تقوم فيه البنوك المركزية الكبرى حول العالم بتخفيض الفائدة على عملاتها إلى مستويات غير مسبوقة قد تصل إلى 0% كما هو الحال بالنسبة للفائدة الأساسية على اليورو أو -0.1% كما هو الحال بالنسبة للفائدة الأساسية على الين الياباني.

 

أخيراً، عادت صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة للانتعاش من جديد بعد التطور التكنولوجي الهائل الذي سمح لها بتخفيض كلفة استخراج البرميل وأيضاً  بسبب عمليات الاستحواذ والدمج التي أطالت بعمر هذا القطاع بعد تدني سعر النفط منذ الربع الأخير من العام 2015 إلى ما دون كلفة الإنتاج، بالإضافة إلى التسهيلات المحفزة التي يتوعد ترامب بتأمينها لدعم هذه الصناعة عبر إلغاء القوانين الصارمة المراعية لشروط البيئة التي وضعتها إدارة باراك أوباما. ومؤخراً، أشارت بعض الإحصاءات غير الرسمية إلى إمكانية تحقيق شركات النفط الصخري أرباحاً عند مستوى 45 دولار للبرميل الواحد. وفي كل الأحوال، فإن الإنتاج الأمريكي للنفط قد وصل إلى أعلى مستوى له في الثلاثين سنة الأخيرة في إشارة واضحة للرغبة الأمريكية بالاستقلال النفطي معتمدةً بذلك على مخزونها وعلى قدراتها التكنولوجية والبشرية المتفوقة في هذا المجال، ما سينعكس سلباً على التوازن النفطي ويتسبب بتدني الأسعار مجدداً مع دخول أميركا رسمياً إلى نادي المنتجين الكبار والمؤثرين في تحديد مسار هذه السلعة.

 

نهايةً، يبدو أنّ هذه الخطوط الاستراتيجية هي التي ستتحكم بسعر النفط في الفترة الراهنة ورغم العوامل السلبية التي ذكرناها، يبقى علينا التنبه إلى الأحداث غير المرتقبة التي تأتي دورياً من بعض الدول المأزومة حيث تتعرض المنشآت النفطية إلى اعتداءات أو أعمال تخريب وهذا ما يترجم عادة بارتفاع مؤقت وغير مستدام لسعر هذه السلعة في الأسواق المالية العالمية.

 

الوسوم :

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image