التكوين العملي للثقافة الاستثمارية الناجحة

يبدأ الكثير من المتداولين رحلتهم في هذا المضمار دون اكتساب فلسفة التفكير الضرورية قبل الخوض في استثمارات من هذا القبيل. ورغم اعتقاد البعض بأن عامل الحظ له دور كبير في صوابية عملية البيع والشراء، بالإضافة إلى كثرة التعلم للمؤشرات الفنية، إلا أن هناك عاملاً أساسياً يتغيب بشكل ملحوظ عند جزء كبير منهم وهو تكوين شخصية المستثمر المؤهل للدخول في عالم الأسواق المالية بمختلف تنوعاتها وتشعباتها.

في الواقع العملي، تشبه الصناديق الاستثمارية الكبرى الحوت المالي الذي يبتلع المستثمرين الأفراد مستفيداً من عوامل عدة تقنية وسلوكية وعلمية نادراً ما تجتمع لدى الأفراد ولا سيما صغار المستثمرين. في هذه المقالة، سنحاول الإضاءة على بعض النقاط المعرفية والسلوكية التي من شأنها زيادة الوعي الاستثماري لدى المتداول والمساهمة ولو جزئياً في الحد من مخاطر السوق وبالتالي استمرارية المحفظة لوقت أطول وبنتيجة أكثر فعالية.

أولاً، على المستثمر أن يدرك أنه مهما بلغ حجم محفظته، فإنه لا يشكل ثقلاً في عالم الأسواق المالية، حيث يتم تداول مئات إن لم نقل ألوف المليارات يومياً. من هنا، وبالمعنى العملي من يقوم بتوظيف محافظ صغيرة ويتعايش مع إمكانية تحويل مبلغ 100 دولار إلى مليون دولار، فإنه على أغلب الظن لا يقارب الواقع وسيتحكم به السلوك العشوائي في اتخاذ قرارات البيع والشراء عبر القيام بكثير من الصفقات بشكل يومي. تتعزز هذه الفكرة مع رغبة المستثمر بتحقيق ربح يومي وعدم تقييمه للمحفظة من سنة إلى أخرى، كما يقتضي المنطق الاستثماري السليم وإنما يقيم المحفظة من يوم إلى آخر وهو أمر يتنافى جملة وتفصيلاً مع كل مبادئ التجارة العامة، حيث يكون الربح السنوي الهدف النهائي، ولكن لا مهرب من حصول الخسارة في العديد من الصفقات. خلاصة القول في هذه النقطة هي أن من يريد الاستثمار في السوق المالي عليه أن يسأل نفسه كم هي نسبة الفائدة التي يعطيه إياها المصرف سنوياً على مبلغ معين، وفي المقابل إذا قام بتوظيف نفس الرصيد في البورصة، فما هي توقعاته للمردود السنوي بنسبة مئوية؟ تجدر الإشارة هنا إلى أنه يجب ألا يتم النظر إلى الاستثمار المالي على أنه وسيلة خارقة لتحقيق الثروة، وإنما هو شأنه شأن أي عمل تجاري وبالتالي من المفيد للمتداولين القناعة بعائد على الاستثمار يقارب 20% أو 30% سنوياً والتخلص من هاجس المردود الخيالي كنسبة 100% و150%حتى وإن كان احتمال تحقيق هذه النسب قائماً.

الأمر الثاني يتمثل بكيفية التعامل مع الرافعة المالية وهي الأداة الأكثر فعالية لفتح صفقات كبيرة بمبالغ صغيرة وهذا الأمر يمثل الثقافة العامة التي تسيطر على عقول معظم المتداولين، لا سيما المبتدئين منهم. ما يجب قبوله والتسليم به في عالم الاستثمار المالي هو العكس تماماً، أي جعل الرصيد الذي يتم توظيفه كافياً لتغطية الصفقات المفتوحة من قبل المتداول وبالتالي بدلاً من العمل برافعة مالية تصل الى 100 أو 200 ضعف الرصيد الأساسي، يجب ألا تتخطى الرافعة 10 أضعاف المبلغ المذكور وهذا أمر متفق عليه في علم الإدارة المالية ويوافق عليه أيضاً أرباب الاستثمار الذين حققوا ثروات هائلة في هذا المجال. صحيح أن الحد من استعمال الرافعة المالية قد ينعكس سلباً على إمكانية تحقيق أرباح إضافية ولكنه سيلعب دوراً مهماً في التقليص من حجم الخسارة عندما يذهب السوق بعكس اتجاه الصفقة المأخوذة وسيسمح أيضاً بتحمل الانعكاسات الفجائية التي غالباً ما تكون سريعة وكثيرة الضرر لمن تكون نقاط وقف الخسارة لديهم قريبة بسبب الصفقات الكبيرة المفتوحة على محافظهم وهذا ما يسرع خروجهم من السوق.

ثالثاً، صحيح أن عالم الأسواق المالية ليس حكراً على أحد إلا أن هناك عاملاً لا مهرب منه لمن يريد أن يفهم مجريات الأحداث المؤثرة في السوق وهو عامل القراءة المستمرة. نعم كما في كل صنعة أو مهنة، عامل الاحتراف المكتسب من القراءة هو شرط أساسي لزيادة فرص النجاح أو تجنب الفترات المأزومة التي تجعل من السوق شبيها بالعاصفة الهوجاء التي لا تخضع لأي منطق. بالمناسبة، هناك من يسوق التحليل الفني على أنه وسيلة لقراءة السوق بشكل تقني بمعزل عن الأحداث اليومية  وبالتالي حسب وجهة النظر هذه، ليس من الضروري معرفة الأخبار المؤثرة المتعلقة بأسعار الفائدة أو سياسات البنوك المركزية أو الأرباح الفصلية للأسهم المدرجة أو التوترات السياسية و ما إلى ذلك من أخبار… لا ننف بالتأكيد أهمية التحليل التقني في بعض الحالات و بشروط خاصة جداً لكننا نشير إلى أنه حتى الساعة لم يتم اعتماد مادة التحليل الفني ضمن المنهاج العلمي لشهادات الدراسات العليا في اختصاص الهندسة المالية في أي من جامعات العالم المرموقة سواء في أوروبا أو أميركا.

الثوابت التي أشرنا إليها ليست سوى الظاهر الذي يطفو على سطح المحيط وفي المقال المقبل سنتحدث عما هو أعمق في ظل تطور التداول الكمي  (Quantitative trading)والبرمجة الإلكترونية للتداول (Algorithmic trading) وما لذلك من أثر على حركة الأسواق المالية.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image