الدين العام الأمريكي والمخاطر المحيطة به

حين قامت وكالة ستاندرد & بورز في صيف 2011 بتخفيض التصنيف الائتماني الأميركي بدرجة واحدة، علت الأصوات من قبل صناع السوق في أميركا لاستنكار هذه المراجعة السلبية التي ارتكزت بشكل أساسي على تضخم الدين العام في هذا البلد. اعتبر قرار كهذا بمثابة إعلان حرب نفسية على الدولار والسوق المالي الأميركي ورأينا كيف ارتفعت بالتزامن معه أسعار الملاذات الآمنة كالذهب والفضة والفرنك السويسري إلى أعلى مستوياتها.

في تلك الفترة كانت المديونية في أميركا لا تتجاوز 13 تريليون دولار (تريليون= ألف مليار) وكان الاحتياطي الفيدرالي يتصدر المشهد في استيعاب أي خضة مؤثرة قد تزعزع استقرار السوق المالي والنقدي في أميركا من خلال السياسة النقدية الاستثنائية المتمثلة حينها ببرنامج التحفيز الكمي وبتسطيح الفائدة الأساسية على الدولار عند مستوى الصفر، ما ساهم بشكل فاعل في تجاوز مرحلة اللاثقة التي سيطرت على البيئة الاستثمارية في أميركا بعد تخفيض تصنيفها الائتماني. بعد انتخاب ترامب، عاد السؤال حول مشكلة الدين العام الأميركي وكيفية معالجة الاستحقاقات القادمة على الخزينة في ظل السياسة التوسعية للإدارة الجديدة التي تبني استراتيجيتها الاقتصادية المقبلة على أساس زيادة الإنفاق والاستدانة، فما هي المخاطر الناجمة عن هذه المنهجية وما هو القلق الذي لم يسعره السوق حتى الآن؟

لمعالجة هذه الإشكالية، فلنراجع بداية وبلغة الأرقام برنامج ترامب وأثره على المديونية الأميركية. يتصدر الموضوع الإنمائي والإنفاق في مشاريع البنية التحتية الأجندة التوظيفية للرئيس الجديد الذي تسوق مكينته الإعلامية عن رغبة الإدارة العتيدة بتخصيص مبلغ ترليون دولار لتحقيق هذه الغاية دون التوضيح الكافي لآلية تمويل هذه المشاريع وأثر ذلك على تضخم الدين العام الأميركي. أما حجر الزاوية الثاني في خطة ترامب للنهوض الاقتصادي، فيتمثل بتخفيض الضريبة على أرباح الشركات الأميركية من 35% إلى 15% في خطوةٍ من شأنها أن تفوت على الخزينة الأميركية ما يقارب 7 ترليون دولار خلال عشر سنوات وبالتالي بلوغ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي مستوى 111% بحسب الدراسة التي أعدها مركز السياسة الضريبية في الولايات المتحدة .(Tax Policy Centre)

ما لم يقل حتى الآن هو أن استحقاق التصويت على السقف الأعلى للمديونية (Debt Ceiling) بات قريباً جداً وموعده في 15 آذار 2017 والسؤال الذي سيطرح حينها حول مرور هذا التحدي بسهولة ودون اعتراضات من قبل الكونغرس وهل أن مستوى 20 ترليون كسقف جديد للدين هو كافٍ لتحقيق السياسة الإنمائية الجديدة بعدما وصل فعلياً هذا الدين إلى 19.9 ترليون دولار في نوفمبر 2016؟

هذه التساؤلات تترافق مع ظاهرتين خطيرتين جداً وهما: أوّلاً الهروب المتعمد من الاستثمار في سندات الخزينة الأميركية الذي تمارسه البنوك المركزية حول العالم حيث شهد العام 2016 بيعاً هستيرياً لهذه الأدوات تجاوز الـ 400 مليار دولار، و ثانياً رغبة الاحتياطي الفدرالي بالعودة تدريجياً إلى سياسة نقدية طبيعية و إلى زيادة الفائدة و إن بوتيرة بطيئة، مما سيشكل ضغطاً سلبياً إضافياً يفقد رغبة المستثمرين في التوظيف في سندات الدين الأميركي بسبب العلاقة العكسية بين ارتفاع الفائدة وقيم هذه الأصول المالية. يضاف إلى ذلك، الحملة العنيفة التي تشن ضد الصين التي لطالما أمدت الخزينة الأميركية بفوائض السيولة المجمعة في صناديقها السيادية.

السحابة السوداء التي ستخيم إذاً على مصادر التمويل للدين العام الأميركي بدأت تتشكل شيئاً فشيئاً والمنهجية الحمائية المترافقة مع زيادة الإنفاق قد لا تؤدي إلى مستويات النمو المنشودة، وهذا ما أشار إليه بنك غولدمان ساكس الذي قدر العائد على برنامج ترامب بزيادة في نسبة النمو لا تتعدى 0.3%.

ربما الأسواق لم تقم بتسعير هذه الأنباء حتى الآن ولكن نعتقد أنه على المستثمرين المراقبة الحثيثة لمؤشر الذعر في سوق الأسهم الأميركي (VIX) وأيضاً لمؤشر مخاطر السياسات الاقتصادية (Economic Policy Uncertainty Index) نظراً لأهميتهما في استشعار مزاج المستثمرين وارتفاعهما السريع عندما يكون هناك قلق فعلي يسيطر على الأسواق المالية، كما يمكن القول أن الذهب قد يشهد في قادم الأيام إرتفاعات سريعة تكرس عودة صفة الملاذ الآمن لهذا المعدن.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image