الصراع الأمريكي – الكوري الشمالي من بداياته حتى اليوم

تقوم بها ومدى خرقها للعقوبات المفروضة عليها. وقد كثر الحديث عنها في هذه الفترة، وذلك على أثر التوتر المتصاعد بينها وبين الولايات المتحدة. فما وراء هذه الجمهورية وما هو الخلاف الفعلي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية؟

تأسّست كوريا الشمالية، التي يحكمها نظام الحزب الواحد الاشتراكي كدولة، في العام 1948، وتبلغ مساحة أراضيها 120.540 كم².

قبل ذلك، كانت كوريا تحت الاحتلال الياباني وكانت كوريا جزءاً من الامبراطورية اليابانية لمدة 35 عاماً، من عام 1910 حتى عام 1945 بعد أن هزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية. بعد ذلك، أُنشئ فيها الحزب الشيوعيّ في العام 1946، ثمّ أُقيمت فيها حكومة مؤقتة مدعومة من الاتحاد السوفييتي سابقاً، وبعدها أعلنت قيام جمهوريّة كوريا الديمقراطيّة الشعبيّة في العام 1948.

تقع كوريا الشمالية في النصف الشمالي من شبه الجزيرة الكورية في شرق آسيا، وعاصمتها وأكبر مدنها هي بيونغ يانغ.

وبالرغم ما يحيط بها من غموض وسياستها المحافظة والمتشددة، فهي ليست معزولة بالكامل عن المجتمع الدولي، فهي تنتمي في الحقيقة إلى عدد من المنظّمات الدوليّة؛ كمنظمة الأغذيّة والزراعة، والأمم المتّحدة، والاتحاد الدوليّ لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، واللجنة الأولمبيّة الدوليّة، ومنظمة الصحة العالميّة.

وبحسب إحصائيات عام 2014، بلغ إجمالي عدد سكانها 25.026.772 نسمة، غالبيتهم من أصول كورية، بالإضافة إلى أقليّات من المهاجرين القادمين من اليابان، وكوريا الجنوبيّة، والصين، وفيتنام، وباكستان، وبورما.

 

بداية الانقسام وصراع القوى الباردة

إزاء التطور النووي الذي شهده الاتحاد السوفييتي، أعطى الزعيم ستالين الضوء الأخضر للشماليين باجتياح الجنوب، وهكذا بدأت الحرب في العام 1950، والتي امتدت على مدى ثلاث سنوات. وفي إطار الحرب، حاولت كل جهة ضم الأخرى إليها، إلى أن غزت القوات الشمالية القسم الجنوبي، وهنا بدأ صراع القوى الباردة بالتبلور، حيث قامت الولايات المتحدة والدول الحليفة لها بالتدخل لصالح كوريا الجنوبية، التي بدورها قامت بدعم جهود حلفاءها عبر تنفيذ هجوم مضاد على جارتها الشمالية. وبعدما حققت القوات الجنوبية تقدماً سريعاً في هجومها المضاد، تدخلت القوات الصينية لصالح حليفتها كوريا الشمالية، فتعادلت موازين القوى في هذه الحرب، إلى أن تم في نهاية الأمر، عقد هدنة أعادت تقريباً الحدود السابقة نفسها بين البلدين. وبالفعل، انتهت الحرب على هذا الشكل، لكن التوتر والمنافسة لم تتوقف أبداً، والعقوبات الدولية فرضت على هذا البلد، بخاصةٍ بعدما أعلنت صراحةً وللمرة الأولى في العام 2009، عن أنها تدير برنامجاً لتخصيب اليورانيوم.

 

طبيعة النظام الاقتصادي في الصين

عانت كوريا الشمالية في منتصف التسعينات من القرن العشرين من شح في الطاقة ومجاعة كبيرة عرفت بمارس القاسي وقادت على مجاعة كبيرة، وصلت إلى ذروتها في العام 1997.

والواضح أن اقتصاد كوريا الشمالية ضعيف جداً، حيث أن سياسة العزل القاسية المفروضة عليها تعني عدم وجود حرية في التجارة الدولية، كما وأن البلاد تعتمد سياسة الاعتماد على الذات وليس سياسة السوق المفتوحة.

بالإجمال، يعتبر الاقتصاد هناك اشتراكي يعتمد الاقتصاد الداخلي للبلاد على قطاع الزراعة لتأمين الغذاء للشعب وإنتاج الأرز والبطاطا وغيرها من المنتجات الزراعية. وتعتمد الصناعة الوطنية بالأغلب على الصناعات العسكرية الثقيلة، إلى جانب قطاع السياحة النشيط جداً بالرغم من المراقبة الوثيقة للسياح.

أمّا الشركاء التجاريين لكوريا الشمالية فهم الصين، كوريا الجنوبية، تايلاند، روسيا، الهند ومجموعة من الدول الأخرى.

 

القرن الواحد والعشرين، تبلور الصراع الأمريكي – الكوري

بدأ منعطف جديد في العلاقات بين كوريا والولايات المتحدة بعدما قامت كوريا الشمالية بتنفيذ أول تجربة نووية في أكتوبر 2006، والذي أدى إلى التوصل لاتفاق خلال 4 أشهر فقط في إطار ما عرف بالمحادثات السداسية التي ضمت كلًا من الولايات المتحدة والكوريتين وروسيا والصين واليابان.

في التفاصيل، قضى الاتفاق بمنح كوريا الشمالية مساعدات في مجال الطاقة ومكاسب دبلوماسية وأمنية مقابل التخلي عن البرنامج النووي.

ولكن وخلافاً لما تمّ الاتفاق عليه، قامت كوريا الشمالية في أبريل 2009 بتجربة لإطلاق صاروخ طويل المدى مخصص لحمل أقمار صناعية طبقًا لتصريح كوريا الشمالية، غير أن الولايات المتحدة رأت في هذه التجربة أنها تغطية لتجربة صاروخ باليستي طويل المدى قادر على ضرب أهداف على الساحل الشرقي للولايات المتحدة. نتيجة لهذا الأمر، قام مجلس الأمن بإصدار قرار غير ملزم يقضي بتشديد العقوبات على كوريا الشمالية ما دفع الأخيرة إلى الانسحاب من المحادثات السداسية، وإعادة تشغيل المفاعل وطرد المفتشين والتهديد باستئناف التجارب النووية. وبالفعل بدأت كوريا الشمالية في تنفيذ تهديداتها عبر إجراء تفجير نووي تحت الأرض ترافق مع تجربة إطلاق صاروخ قصير المدى. وبالفعل، خلال مايو 2013، صدر تقرير عن وزارة الدفاع الأمريكية جاء فيه أن كوريا الشمالية هي أخطر تهديد للولايات المتحدة مشيرًا إلى أن الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية التي يمكنها حمل رؤوس نووية يمكن أن تصل للولايات المتحدة، وبالتالي فهي تمثل تهديدًا مباشرًا لها، ومنذ ذلك الحين، بدأت التوتر يتصاعد بين الدولتين.

 

  • بالنسبة لكوريا الشمالية:

يرى الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، أن الترسانة النووية التي تملكه بلاده هي الطريقة الوحيدة التي تضمن أمن البلاد وتنمي اقتصادها. في الحقيقة، تجادل حكومة كيم بأنَّها بحاجة للأسلحة النووية كي تحمي نفسها من الإطاحة بها كآخرين ممن تخلّوا عن مخزونهم من أسلحة الدمار الشامل، وقد صرّحت كوريا الشمالية أيضاً بأنَّها تأمل باستخدام الأسلحة النووية لإجبار العالم، بما فيه الولايات المتحدة، لقبولها عضواً كاملاً في المجتمع الدولي بشروطها الخاصة، كما اعترفت واشنطن في آخر المطاف بالصين بعد أن أصبحت قوة نووية.

من جهةٍ أخرى، تم تخفيف قيود الدولة على الاقتصاد في عهد كيم، كما وتم تحقيقٍ نموٍ اقتصادي متواضع. في هذا الإطار، أعلن المصرف المركزي في كوريا الجنوبية الشهر الماضي، أن اقتصاد الجارة الشمالية سجل أسرع وتيرة نمو له في غضون 17 عام بفضل زيادة كبيرة في الصادرات وفي إنتاج المناجم وغيرها من الصناعات برغم العقوبات الدولية على برنامج الأسلحة الكوري الشمالي. وأوضح بنك كوريا أن إجمالي الناتج الداخلي في الشمال ازداد بنسبة 3.9 في المئة العام الماضي، وهي الوتيرة الأسرع منذ 1999 عندما بلغت 6.1 في المئة.

 

  • بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية:

تعتبر الولايات المتحدة أن تحوّل كوريا الشمالية إلى قوة نووية وعدم تقيدها بحظر انتشار التقنيات النووية يشكل خطراً على منظومة الاحتكار النووي للدول الكبرى، وعلى اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة نفسها، لذا تجد نفسها في بعض الأوقات مضطرة للتفاوض معها بغية إقناعها بالتراجع عن دخولها النادي النووي، كما وتسعى في بعض الأوقات إلى تقديم حوافز الاقتصادية والتجارية والأمنية، بغية إقناعها بالتراجع.

حديثاً، شهدت الأسواق المالية العالمية تخبطاً وتقلبات قوية، ويعود ذلك إلى التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. فبعدما هدد كيم جون أونغ، بقصف قاعدة غوام العسكرية الأمريكية، رأت أمريكا أن كوريا الشمالية لا تمثل خطراً وشيكاً وهددت بضربها والتغلب عليها في حال اقتصت الحاجة.

في هذا الإطار، عقدت الحكومة الكورية الجنوبية في 14 يوليو، اجتماعاً لبحث القضايا الاقتصادية الراهنة، وذلك وسط تصاعد حدة التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، حيث أكد رئيس الوزراء الياباني للشؤون الاقتصادية “كيم دونغ يون” أن السوق المالي أصبح قلقاً بشكل أكثر مما كان عليه سابقاً بسبب حالة التوتر العسكري الأخيرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.

وأشار إلى احتمال أن ينتشر هذا التوتر الراهن إلى الصعيد العالمي، مما قد يؤدي إلى زيادة حالة عدم اليقين في السوق المالية العالمية.

ولكن اليوم هدأ الوضع قليلاً، وتم اختيار الصبر بدلاً من المعركة، ما أدلى إلى تحفيز الدولار قليلاً وإلى عودة نوع من الاستقرار إلى الأسواق، ولكن هل هذا الاستقرار هو هدوء التحضير لمعركة مرتقبة، أو الأمر مستبعد وليس هو لا بالضغط الإعلامي والنفسي؟ لا شك في أن الأيام هي العالم الوحيد بما سيحصل بين هاتين الدولتين.

نبذة عن الكاتب

[:ar]تاتيانا أنانوف[:en]Tatiana Ananov[:]

تتمتّع تاتيانا بخبرة طويلة في مجال التحرير الإلكتروني وغير الإلكتروني، وسبق ونشرت مقالات عدّة بإسمها. هي مسؤولة حالياً عن تحرير المواقع الإلكترونيّة التابعة لأمانة كابيتال وكلّ ما يتعّلق بأي محتوى صادر عن المجموعة. تتميّز تاتيانا بكتاباتها السهلة والسلسة ما يسمح للقرّاء بفهم فكرة المحتوى بسرعة ودون أي تقييدات.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image