الفائدة السلبية وأثرها على الأسواق المالية

شهدت السنوات الثلاث الأخيرة انعطافة مهمة على مستوى إدارة أسعار الفوائد لدى البنوك المركزية حول العالم من خلال إقدام هذه المؤسسات على خطوة جريئة وغير اعتيادية تمثلت باعتماد مستويات فوائد سلبية على العديد من العملات الرئيسية كالين واليورو والفرنك السويسري والكرونا السويدي والكرونا الدانماركي.

أطلقت هذه الخطوة وفي جعبة البنوك المركزية المعنية أسباب متعددة منها ما هو متعلق بأثر الفائدة على النشاط الاقتصادي، ومنها ما هو مرتبط بالتقييم النقدي لعملة معينة وضرورة اللعب على فائدتها للسيطرة على ميزان قوتها أمام الدولار وأمام العملات الدولية الأخرى. لا شك أن هذه السياسات الاستثنائية تندرج ضمن جردة حساب الأزمة المالية العالمية التي أخذت ملامحاً مختلفة ورست على حرب طاحنة بين العملات، أدت بدورها إلى نشوء موجة الفوائد السلبية التي نشهدها حالياً والتي لم تحدد بسقف زمني معين.

ما هي الدوافع وراء هذه الدينامية وما هي أبرز نتائجها حتى اللحظة ومن المستفيد النهائي من كل ما يجري؟

حدد البنك المركزي الأوروبي الفائدة الأساسية على اليورو بمستوى 0% والفائدة على إيداعات البنوك لديه بمستوى -0.4% و كذلك فعل المركزي الياباني مع تطبيقه فائدة أساسية على الين بمستوى سلبي وصل إلى -0.1% وتتشابه الأسباب و الحجج لدى المؤسستين المذكورتين اللتين تبرران اعتماد الفوائد السلبية بهدف الحد من رغبة البنوك التجارية في أوروبا و اليابان بتكوين إيداعات نقدية لدى بنوكها المركزية، وبالتالي توظيف فائض السيولة لديها ضمن النشاط التسليفي الذي يعد حجر الزاوية في عملية تنشيط الاقتصادات الراكدة. فعند ازدياد عدد المقترضين، من المتوقع إذاً أن تزيد تلقائياً حركة الاستثمار وأيضاً حركة الاستهلاك، ما يعطي جرعة تحفيز على مستوى الاقتصاد الكلي يتم قياسها حالياً من خلال مستوى التضخم في هذه الدول.

من ناحية أخرى، لجأت البنوك المركزية في كل من سويسرا والدانمارك والسويد إلى اعتماد معدلات سلبية على فوائدها الأساسية، والهدف من ذلك هو السيطرة على قوة العملات في هذه الدول التي غالباً ما ينظر إليها على أنها ملاذات آمنة يكثر عليها الطلب من أجل التحوّط، ما يرفع من قيمها وبالتالي يؤدي إلى فقدانها لقدراتها التنافسية على صعيد التجارة الدولية، خصوصاً بالنسبة لدول كسويسرا والسويد حيث يشكل التصدير دعامة مهمة للناتج القومي في كلا البلدين.

وأياً كان الحافز وراء اعتماد سياسة الفوائد السلبية، فإن من أهم النتائج التي تمخضت عنها تتلخص فيما يلي:

  • تمكنت بعض الدول كألمانيا واليابان من تعزيز حصتها من الصادرات العالمية نتيجة انخفاض اليورو والين. هذه الزيادة في الميزان التجاري انعكست بتحسن ملفت في ميزان المدفوعات لكلا الدولتين وتمكنهما من تكوين احتياطات نقدية، قد تكون العامل الرئيسي وراء الرغبة في الإبقاء على المستويات المتدنية التي شهدناها فيما يخص سعر صرف اليورو والين مقابل الدولار الأميركي. بمعنى آخر قد يكون ضعف هاتين العملتين ممنهجاً من قبل السلطات النقدية في أوروبا واليابان.
  • رغم التحسن الطفيف في نسب التضخم داخل الدول المعتمدة لسياسة الفوائد السلبية، إلا أننا لا نزال بشكل عام بعيدين عن المستوى المنشود لتحفيز الاقتصاد والذي يحدد عادة بين 2% و 3% مما يعني أن حالة انكماش الأسعار ما زالت هي المسيطرة على اقتصادات هذه الدول.
  • بدلاً من التوسع في النشاط التسليفي، توجهت البنوك والمؤسسات المالية لاستثمار سيولتها في أسواق الأسهم والسندات التي ارتفعت بشكل هائل نتيجة علاقتها العكسية مع أسعار الفائدة، وبالتالي قامت هذه المؤسسات عملياً بتحوير الهدف المرجو من برنامج الفوائد السلبية بسبب إقبالها على السوق المالي وإغفالها بشكل كبير للتوظيف في الاقتصاد الحقيقي من خلال قروض الأفراد والمؤسسات.

بطبيعة الحال، ليس هناك رغبة من قبل أصحاب رؤوس الأموال في تجميد كتلهم النقدية ضمن حسابات إيداع تعطي فائدة سلبية. ومن جهةٍ أخرى، أصبح الاستثمار في سوق الأسهم محفوفاً بالمخاطر في الفترة الأخيرة بسبب عدم تصحيح السوق وارتفاعه دون توقف وابتعاد الأسعار السوقية للأسهم (market price) بشكلٍ كبير عن قيمها الدفترية (book value). لذلك يبقى الملاذ الآمن للحفاظ على قيمة الثروة هو الذهب مما يعني أن الرابح الأخير من كل هذه الدورة هو المعد الأصفر، وفعلاً بدأنا نسمع مؤخراً عن إعادة تكوين احتياطات الذهب في كل من ألمانيا وسويسرا دون أن ننسى الهند التي تعود بشكل تدريجي للطلب الفردي على الذهب بعد انقطاع دام ثلاث سنوات.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image