بين الواقع والافتراض… ما هو مستقبل المال؟

لا شك في أنه ومنذ نشأة الحضارة، ظهر مفهوم المال، من المقايضة بالسلع إلى إنشاء العملات المحلية، إلى الدفع بواسطة غرامات الذهب والفضة وغيرها، إلى حين فرض التغيير الجذري في طبيعة “الثروة” أو المال، وذلك بعد مؤتمر بريتون وودز في العام 1944، عندما قامت معظم الدول بربط قيمة عملتها نسبةً للدولار، وليس نسبةً لقيمة الذهب والفضة كما كان سائداً.

ومع تخلي الدولار عن الغطاء الذهبي في العام 1971، ظهر أخيراً النقد الإلزامي، وهو المال الذي أعلنته الحكومة ليكون عملة قانونية، والذي يمكن تداوله بالتالي مع عملات أجنبية أخرى في سوق الصرف الأجنبي، وأصبح إذاً لكل عملة قيمة بالنسبة لغيرها، وبدأ العصر الجديد للمال والذي لا يزال قائماً حتى الآن.

ولكن، وبالرغم من كل هذه التغييرات، بقيت قيمة النقدة وقابليتها للتداول أهم عنصرين، والتي على أساسها يدور العالم.

اليوم، بدأ الوضع يتغيّر قليلاً، وبدأت التشكيكات تعلو حيال ما إذا كان المال بمفهومه الحالي الذي نعرفه سيستمر إلى الأبد، فمع ظهور تقنيات الدفع الجديدة والتي تحدثت عنها في مقالي السابق بعنوان “مستقبل الدفع بدأ الآن.. وبذكاء!”، ومع ظهور العملة الافتراضية المعروفة باسم الـ”Bitcoin”، قل استخدام المال الحقيقي، وبدأ منطق الأموال الافتراضية يدخل إلى عقولنا. من هنا، يعتقد الكثيرون أن حقبة المال المادي (الورقي والمعدني) بدأت تقترب من نهايتها، فيما يرى البعض الآخر أنّ الأمر كله تصوّر ووهم والأموال باقية ومستمرة.

ما هو إذاً مستقبل المال بمفهومه الحالي؟

لا شكّ في أن آراء الأفراد السياسية-الاجتماعية والاقتصادية هي التي دفعت الإنسان إلى البحث عن طرقٍ جديدة لتبادل السلع وإنجاز الأعمال التجارية (النقد)، وأهم دليل على ذلك هو التجربة الحالية المرتسمة في الـBitcoin، والذي يعود أساسها إلى رفض النقد الإلزامي وعدم الموافقة على إعطاء كامل الحق لمجموعة صغيرة من الوسطيين (البنوك والحكومات) بالتصرف بها كما يحلو لها. لكن في الحقيقة الأمر معقد أكثر من ذلك.

يميل الإنسان بطبيعته إلى استخدام ما يراه مؤهلاً للثقة، وعدم معرفة من يملك الـBitcoin أو غيرها من العملات الافتراضية هو ما يضعف من قواها. نستخدم جمعينا الأموال النقدية دون تفكير، على أساس أنها عملة الوطن، الممثلة في الدولة والمحمية من البنوك، وهذا ما يجعل المال المادي الأقوى. وبمجرد التفكير بأهمية ماديته، أي انه ملموس ويمكن رؤيته، عكس الـBitcoin، هو نقطة قوّة إضافية للمال الحالي، كون الإنسان (ودون أي شك!) يحب ويصدق ويثق بما يراه، والدليل على ذلك هو أنه عندما نقوم بإنجاز أي معاملة مهمة، كدفع كلفة بيت جديد نشتريه مثلاً، نفضل تقديم شيك يسمح بسحب المبلغ نقدياً من البنك، بدلاً من تحويل المال من حساب إلى آخر عبر الإنترنت.

وبعيداً عن الطبيعة الإنسانية، تتمثل قوّة العملة بقيمتها وبمستوى تداولها، فالدولار مثلاً قوي، كونه عملة عالمية مستخدمة من معظم المستهلكين، والأمر لا ينتهي هنا، فهو مستخدم أيضاً في التعاملات التجارية العالمية، حيث يتم تداول النفط والذهب وغيرها من السلع بالأغلب بهذه العملة.

في إطارٍ مختلف، تم إلقاء الضوء كثيراً على فكرة أن العملة الافتراضية تمثل مخزن لقيمة العملات، حيث لا يمكن خلق عدد لا متناهي منها، كون الأمر يحتاج لإنجاز عمليّة حسابية معقدة، وبالتالي لا يمكن لأي بنك مركزي أو فيدرالي التدخل في هذا الأمر.

لكن الواقع برهن عكس ذلك، ففي نهاية المطاف وبالرغم من أن فكرة أن تتحكم الخوارزميات بالعملات وقيمتها فكرة مثيرة حقاً، يبدو وكأن الخوارزميات لا يمكنها السيطرة على قيمة العملات كالإنسان، وهي في الحقيقة أسوأ في هذا الأمر، والبرهان على ذلك هو فقاعة المضاربة التي حصلت في إطار الـBitcoin، حيث هبطت قيمتها من 1000 دولار إلى أدنى من 400 دولار.

ختاماً، يبدو وكأن قطاع المال على مشارف تغييرٍ ما سيحصل دون أي شك، تماماً كما في العام 1944 و1971، وبخاصةٍ بعد دمج التكنولوجيا به. نحن نشهد الآن وبرأيي على تحويل النظام المالي إلى نظام أكثر ديموقراطي مع تخفيف اعتماد المستهلك على الورقة المادية التي يمكن لمسها. ولكن وبالرغم من ذلك، يبدو أمر إلغاء العملة الورقية أمر مستحيل حتى الآن على الأقل، لأن العملة الوهمية لا تعني فقط عدم وجودها باللمس والنظر، بل هي نظام مالي جديد تماماً ويحتاج إلى تحضير العقل لتقبلها أولاً قبل فرضها.

نحن لا نزال في أوّل الطريق، ولا زلنا نتكيف مع أنظمة الدفع الجديدة التي تتم عن بعد، من هنا وللرد على السؤال المطروح، لا يزال من المبكر الجزم في مستقبل المال، لكن تغير وتحول طبيعته (وليس نظامه) في السنوات القليلة المقبلة هو أمر سيحصل دون شك، ولكن سيبقى تحت سيطرة قوانين وأنظمة النظام المالي الحاضر، لذا لا زلنا في بداية الطرق.

 

نبذة عن الكاتب

[:ar]تاتيانا أنانوف[:en]Tatiana Ananov[:]

تتمتّع تاتيانا بخبرة طويلة في مجال التحرير الإلكتروني وغير الإلكتروني، وسبق ونشرت مقالات عدّة بإسمها. هي مسؤولة حالياً عن تحرير المواقع الإلكترونيّة التابعة لأمانة كابيتال وكلّ ما يتعّلق بأي محتوى صادر عن المجموعة. تتميّز تاتيانا بكتاباتها السهلة والسلسة ما يسمح للقرّاء بفهم فكرة المحتوى بسرعة ودون أي تقييدات.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image