معركة كسر العظام بين المملكة العربية السعودية وقطاع النفط الصخري

شكل عام 2015 محطة مفصلية في تاريخ ميزان القوى النفطية، حيث تكرس وبشكل رسمي صراع لم نعهده من قبل بين المنتجين التقليديين للبترول وقطاع النفط الصخري الذي شكل رافعة مهمة لدور أمريكا كمنتج أساسي لهذه السلعة وليس فقط كالمستهلك الأهم لها كما جرت العادة على مر العقود الماضية.

لقد استطاعت الشركات الأمريكية الناشئة التي تبنت تقنية التنقيب في الحقول الصخرية من إضافة كميات هائلة من النفط أدت بدورها إلى هبوط سعر السلعة بشكل مطرد من مستويات الـ100 دولار للبرميل الواحد إلى ما دون الـ50 دولار في المنتصف الثاني من العام 2014. عند هذه المستويات، وأمام النتائج الكارثية على خزينة المنتجين التقليديين، برزت المملكة العربية السعودية ومعها عدد من الدول مثل روسيا وكانت ردة الفعل المعاكسة لكل توقعات الأسواق من خلال زيادة الإنتاج النفطي، ما أدى إلى موجة هبوط جديدة خلال 2015 وبداية الـ 2016، حيث وصل سعر البرميل إلى ما يقارب 26$ وهو المستوى الأدنى له من عشرة سنوات.

ما أشبه اليوم بالأمس حيث عادت شركات النفط الصخري بحلة جديدة مستفيدة من ثلاثة عوامل مهمة ساهمت بإعادة انتعاش هذه الصناعة. العامل الأول هو التطور التكنولوجي الذي عمل عليه المهندسون الأمريكيون ومراكز الأبحاث في أمريكا من أجل تسريع الإنتاج وتخفيض الكلفة من معدل 60 دولار إلى ما يقارب الـ 45 دولار للبرميل الواحد، مما أعطى للعديد من الشركات المنتجة ولا سيما في حوض الـ   Permian  قدرة تنافسية جديدة وإمكانية إضافية لمواجهة الهبوط المتعمد للأسعار إلى ما دون حاجز الـ 50 دولار.

الأمر الثاني يتلخص بمرونة العمل التي ستستفيد منها هذه الشركات تحت إدارة الرئيس الأميركي الجديد الذي ألغى جزءاً من القوانين البيئية التي كانت تحد من النشاط الإنتاجي للنفط الصخري ونتيجة لذلك، ازداد هامش الحرية أثناء عمليات التنقيب وبالتالي أصبح لدى الشركات المعنية إمكانية أوسع لزيادة كمية الإنتاج.

الأمر الثالث يتمثل بالهدية المجانية التي أعطتها الأوبك لهذا القطاع المنافس والذي ما كان لينتعش من جديد لولا التخفيض الذي أقرته الأوبك في نوفمبر 2016، مما ساهم بإعادة سعر البرميل الى مستويات استقرت في الشهور الأخيرة فوق الـ 52 دولار للبرميل الواحد، فأعطى الأمر هامش ربحية بين الـ 5 و 7 دولارات لكل برميل تنتجه الشركات الأمريكية.

وبالرغم من كل ذلك، فإن مديونية هذا القطاع تمثل عقبة دراماتيكية أمام نموه وقدرته على الاستمرار ورغبة المستثمرين بتوظيف أموالهم ضمنه، إذ لا يمكن أن تتعايش هذه الشركات مع مستويات متدنية للنفط دون القاع الاستراتيجي وهو مستوى الـ 40 دولار للبرميل الواحد. تجدر الإشارة، إلى أن تقرير مكتب الشؤون القانونية Haynes and Boone  الذي يحصي حالات الإفلاس للشركات الأمريكية قد أورد في نهاية العام 2016 بياناً يظهر فيه أن عدد شركات النفط الصخري التي أعلنت إفلاسها هو 114 خلال نفس السنة وقد بلغت قيمة الديون المستحقة على مجمل هذه الشركات المتعثرة 74.2 مليار دولار. مكمن الضعف هذا لمنتجي النفط الصخري الأمريكي مضافاً إليه عدم الرغبة لدى البنوك الأمريكية في إعادة رسملة هذا القطاع هو ما تعول عليه المملكة العربية السعودية لتوجيه ضربة قاضية لهذه الصناعة المنافسة في حال هبطت الأسعار إلى ما دون الـ 30 دولار مرة أخرى. وقد بدأت عملياً تظهر بعض المؤشرات التي تدل على عدم فاعلية أي قرار تخفيض للإنتاج قد تتخذه الأوبك، لا سيما في ظل زيادة المملكة لإنتاجها بوتيرة 46.4 آلاف برميل يومياً وإعلان ليبيا عن رغبتها بالوصول إلى مستوى إنتاج 1.2 مليون برميل يومياً حتى نهاية العام الحالي وأيضا تراجع بنسبة 36% على مراكز الشراء للعقود الآجلة من قبل محافظ التحوط التي بالمجمل تستقرئ اتجاهات السوق بشكل صحيح، مضافاً إلى ذلك ارتفاع تدريجي بمؤشر OVX  الذي يقيس حالة القلق لدى المستثمرين في عقود الخيارات المركبة على البترول، ما يشكل أيضاً إشارة سلبية حول المسار المستقبلي للسلعة.

إذن في معادلة العرض والطلب التي نظرياً يتحدد من خلالها السعر لأي سلعة في الأسواق المالية، تميل الدفة في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بالنفط لصالح العرض الذي يشكل المنصة الأقوى لتوجيه الرسائل والضربات بين المنتجين المتصارعين. نعتقد أن المنتجين التقليديين الكبار كالسعودية وروسيا والعراق ما زال لديهم عامل الترجيح وهو كلفة الإنتاج والذي إن تم توظيفه في الفترة المقبلة وإن على حساب خزينة هذه الدول، فإن ذلك من شأنه أن يعطل مكينة النفط الصخري لسنوات مقبلة، بعدما أثقلت الديون كاهل هذا القطاع الناشئ.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image