مقاربة إحصائية لتسعير الذهب

كثر الحديث في السنوات القليلة الماضية عن القيمة العادلة لسعر أونصة الذهب المتداولة في الأسواق المالية العالمية و لا سيما بعد التقلبات العنيفة التي شهدها سعر هذه السلعة وتضارب الآراء حول التوجه العام لسعرها، في ظل طفرة الهندسات المالية الاستثنائية بعد الأزمة المالية

العالمية الراسخة الجذور منذ العام 2008 والتي تنتقل دورياً من رقعة جغرافية إلى أخرى آخذةً أنماطاً مختلفة لتدمير الثروة التي لطالما اعتبر الذهب واحداً من الملاذات الآمنة القليلة للحفاظ عليها،.

ما هي المعطيات الرقمية المتوفرة بشكل رسمي و التي تتيح لنا تسعير أونصة الذهب من زاوية موضوعية و مستقلة تماماً عن قنوات التحليل الفني أو الإخباري؟

لا شك أن للسياسات النقدية وبخاصة قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كان لها أثراً واضحاً على حركة الذهب في العقد المنصرم، وذلك بسب العلاقة العكسية المعروفة بين قوة الدولار وسعر الذهب، بيد أنه من الصعب جداً تحديد هدف معين لسعر هذه السلعة بناء على التوجهات العامة للبنوك المركزية والتي من المستحيل استدراكها والإحاطة بتفاصيلها بشكل دقيق مسبق. يقابل ذلك صعوبة على مستوى التحليل الفني بكل أشكاله في تحديد القيمة العادلة للذهب، وكذلك من الصعب القبول الدائم للفرضية التي يبنى عليها هذا النوع من التحليل باعتبار أن التاريخ يعيد نفسه أو أن السوق يتحرك بشكل تقني في معظم الأحيان. أمام هذه المعضلة المزدوجة، نرى أنه من المفيد دائماً العودة إلى المدرسة الكلاسيكية في علم الاقتصاد والتي تخمن قيمة السلع استنادا إلى قاعدة العرض والطلب، ونتيجة لذلك يمكن تحديد السعر المناسب.

ببساطة سنقوم باستعراض حالتين كلاهما تربطان بين ما يسمى بالكتلة النقدية الموسعة M2 والرقم الرسمي لكمية الذهب الموجودة حالياً حول العالم. نشير هنا إلى أن الكمية المذكورة تم احتسابها من قبل المرصد الأمريكي للعلوم الجيولوجية في العام 2016 والذي يلحظ وجود 171,300 طن من الذهب المتداول والموزع بين صناعة المجوهرات (49.2%) والمحافظ الاستثمارية (19.26%) والبنوك المركزية (17.2%) والطلب الصناعي في قطاعي الطب والتكنولوجبا وغيرها من الأنشطة (14.34%)، بالإضافة إلى 52,000 طن من الذهب قيد الاستخراج من المناجم، ما يعني أن مجمل كمية الذهب عالمياً تقدر بـ 223,300 طن. الجدير بالذكر أن كل طن يساوي 32,151 أونصة ذهب وبالتالي فإن تقدير مجمل موجودات الذهب المستخرجة وقيد الاستخراج تكون 223,300 * 32,151= 7.18 مليار أونصة من الذهب.

يقابل ذلك، إحصاء صادر عن موقعVisual Capitalist ، الذي يشير إلى أن مجمل الموجودات النقدية السائلة (نقد معدني و ورقي + شيكات + حسابات مصرفية) التي تشكل ما يعرف بالكتلة النقدية الموسعة أو M2، تقارب قيمة 80.9 تريليون دولار أميركي ونتيجة لذلك يصبح التخمين لسعر أونصة الذهب يساوي الرقم أعلاه مقسوماً على كمية الذهب التي قدرناها بـ 7.18 مليار أونصة، لنجد أن رقم 11,260 دولار يمثل السعر التقريبي للأونصة الواحدة. وقد يقول معظمنا أن هذا الرقم شبه خيالي مقارنة مع المستويات التي اعتدنا عليها تاريخياً إلا أنه لا يمكننا علمياً نفي إمكانية الوصول إلى هذا المستوى ولو بعد سنوات عديدة بسبب التضخم المفرط في بعض دول العالم والذي يقابله انكماشاً في الأسعار في الاقتصادات المتقدمة، الأمر الذي سيشكل رافعة مزدوجة لتدفق رؤوس الأموال نحو المعدن الأصفر.

مقاربة أخرى تندرج ضمن السياق نفسه لتسعير أونصة الذهب، تقتضي باحتساب الكتلة النقدية الموسعة في أميركا فقط لا غير نظراً إلى أن الذهب مسعر مقابل الدولار الأميركي وبناء عليه يشير تقرير الاحتياطي الفيدرالي إلى أن مجموع الـ M2 في نهاية شهر فبراير 2017 وصل إلى 13,3 ترليون دولار. فإذا قمنا بقسمة هذا الرصيد على 7.18 مليار أونصة ذهب، نجد أن 1854 دولار هو السعر التقريبي للأونصة الواحدة. هذا الرقم كنا قد شهدناه في العام 2011 ولعل في هذا دليل على أن تسعير الذهب محصور تماماً بتقلبات الكتلة النقدية الموسعة للدولار الأميركي، دون الأخذ بعين الاعتبار الأصول النقدية الأخرى حول العالم وإلا لوجب أن يكون حتماً سعر الأونصة أعلى بكثير من المستويات الراهنة. وعلى اعتبار أن القيمة العادلة للذهب هي 1854 استناداً إلى الأرقام التي أدرجناها سابقاً، فإن ذلك يمثل فجوة سعرية واضحة مقارنة مع السعر الحالي للذهب، لذلك يمكننا القول إنّ هذه السلعة يتم تداولها في الأسواق حالياً بأقل من قيمتها، ما يعزّز الفرص الاستثمارية في الذهب على مدار الفترات المقبلة.

 

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image