هل تستطيع منظمة الأوبك البقاء على قيد الحياة؟

 من قرأ كتاب وزير النفط السعودي السابق الأستاذ علي النعيمي “من البادية إلى عالم النفط”، بإمكانه أن يلحظ تعليقاته على بعض اجتماعات الأوبك وحالة عدم الانسجام بين الدول الأعضاء في هذه المنظمة التي لطالما اعتبرت المرجع الأول المتحكم بسعر النفط في الأسواق المالية العالمية.

إضافة إلى حيثيته المهمة جداً لكونه ممثلاً لأكبر منتج للنفط، فإن شيئاً استثنائياً قد ميز النعيمي بجمعه بين الجوانب التقنية والاقتصادية والسياسية لصناعة النفط وشهوده للمنعطفات الخطيرة التي أحاقت بالقطاع على مدى 50 عاماً، ولذلك فإن رأي النعيمي يعد مرجعياً لي ولغيري من متابعي الأحداث النفطية، ومن خلاله ننطلق في هذه المقالة لطرح السؤال حول تركيبة الأوبك والجدوى من استمرارها بهذا الشكل والتحديات التي تواجهها في الوقت الراهن. إلى جانب ذلك، وبالاعتماد على إحصاءات حديثة جداً، سنشير إلى مكامن الضعف الكفيلة بإعادة النظر حول مسيرة الأوبك بتركيبتها الحالية ومستقبلها، كمرجعية أولى لتحديد سعر النفط عالمياً.

تكمن المشكلة الأساسية التي تهدد كيان الأوبك في تضارب المصالح بين الدول الأعضاء، وليس خفياً ما بتنا نلاحظه من صعوبة التوحد حول قرار أو موقف تلتزم به جميع الدول المنضوية تحت مظلة هذه المنظمة. بمقاربة واقعية للأمور، يفتقد معظم الأعضاء للبعد البراغماتي لمعالجة الواقع النفطي، حيث بات من الصعب كبح جماح بعض الدول التي تحاول استعادة حصتها السوقية وإن كلف الأمر تعارضاً مع المصلحة العامة للمنظمة التي، وبالرغم من قرارها الأخير في نوفمبر 2016، والذي اقتضى بتخفيض الإنتاج بوتيرة 1.2 مليون برميل يومياً و بالرغم من إعلانها حديثاً عن إمكانية سحب 1.8 مليون برميل من السوق بالتعاون مع منتجين آخرين كروسيا والمكسيك، لم تستطع أن تعطي الجرعة المعنوية اللازمة لإعادة إحياء أسعار النفط وإدراكها للمستوى المنشود عند 60 دولار للبرميل الواحد. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن العرض النفطي ما زال يتصاعد من سنة إلى أخرى رغم التخفيض المذكور، مما يجعل الأوبك مكبلة الأيدي، فوفقاً للتقرير الرسمي الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في شهر مارس 2017، تبين أن الإنتاج اليومي للنفط في الفصل الأخير من العام 2014 وصل إلى 95.43 مليون برميل يومياً، وارتفع إلى 97.41 مليون برميل يومياً في الفترة نفسها من العام 2015 ليصل إلى 98.29 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من العام 2016.

جانب آخر يعكس محدودية الأوبك في التأثير الفعلي على سعر برميل النفط المتداول عالمياً في بورصة نيويورك هو أن تخفيض الإنتاج الذي من خلاله تسعى المنظمة إلى إعادة رفع السعر، إنما يطال في أغلب الأحيان النفط الثقيل بسبب كلفته العالية وتدني جودته مقارنة مع البرنت أو نفط غرب تكساس. بمعنى آخر، النفط الخفيف الذي يتابعه المراقبون عالمياً والذي يشكل أساس تسعير هذه السلعة لا يطاله التخفيض إلا بنسبة مئوية بسيطة من مجمل الكمية التي يتقرر سحبها من السوق.

العامل الثالث الذي يعيق فعالية الأوبك في السيطرة على القطاع النفطي من جديد هو عامل المنافسة. فبناءً على التقرير السنوي الصادر عن هذه المنظمة في نهاية الـ 2016، تبين أن الأوبك قاد زادت من إنتاجها خلال العام 2015 بنسبة 3% عما كانت عليه في السابق، في حين زادت بريطانيا من إنتاجها بنسبة 13.4% في السنة نفسها، وكذلك فعلت كل من البرازيل (8.1%) والولايات المتحدة الأمريكية (8.3%). ولعل المنافسة الأشرس التي تواجهها الأوبك منذ العام 2012 والتي تسببت بانهيار الأسعار إلى ما دون 30 دولار في مطلع العام 2016، هي صناعة النفط الصخري في أمريكا. لقد طورت الشركات الأمريكية من تقنية استخراج النفط من الحقول الصخرية، حيث شهدت هذه الصناعة تقدماً تكنولوجياً هائلاً منذ العام 2014، ما سمح بوضع أمريكا على خارطة المنتجين الكبار للنفط بعدما كان ينظر إليها على أنها المستهلك الأول لهذه السلعة. الأبحاث التكنولوجية المستمرة حول تطوير صناعة النفط الصخري، أفضت حتى الآن إلى تخفيض كلفة الإنتاج للعديد من الشركات الكبرى لتصبح عتبة الربحية لديها (Break Even Point) تقارب 45 دولار للبرميل الواحد بعدما كانت في السنوات السابقة تفوق الـ 60 دولار. المثير للاهتمام أيضاً هو أنه بفضل هذه التقنية السريعة أصبح بالإمكان تشغيل بعض الحقول الأمريكية ضمن فترة قياسية قوامها 7 أشهر وفقاً لما ذكرته مجلة فوربس في 26 مارس 2017. يضاف إلى كل ما تقدم أن صناعة النفط الصخري تحظى بدعم مطلق من الرئيس الأمريكي الجديد الذي يعتزم إلغاء العديد من القوانين البيئية التي كانت تعرقل عمل الشركات الضليعة في هذا المجال. وفي هذا الصدد، نجد من المفيد التذكير بالتجارب التاريخية التي تشير إلى أن النهاية لكل كارتل أو تكتل اقتصادي تأتي دائماً على يد التطور التكنولوجي الذي غير موازين القوى في العديد من الصناعات قبل ذلك.

نقول وبثقة أن العالم بات بحاجة إلى كيان ناظم جديد يضم فيما يضم دولاً ذات ثقل نفطي وسياسي واقتصادي قادرة على وضع خطة نفطية موحدة حول العالم وفرض تطبيقها والتقيد بها من قبل جميع المعنيين. وفي كل الأحوال باتت الأوبك بتركيبتها الحالية أعجز من أن تتسيد عرش النفط لوحدها كما كان الوضع لسنوات كثيرة خلت.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image