هل ستكون الأزمة المالية المقبلة أسوأ من سابقتها؟

استطعنا اجتياز عام 2017 دون مشاكل تُذكر. فإذا نظرت إلى سوق الأسهم والأصول، كما يميل دونالد ترامب أن يفعل (ومن قبله باراك أوباما)، ستعتقد أن كل شيء على ما يرام وأن العالم لا يواجه أي مشاكل.

فقد شهد العام الماضي ارتفاع متوسط مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 24%. وصعد مؤشر داو جونز العقاري الأمريكي بنسبة 6.20%. كما أن سعر البيتكوين الواحد قفز حوالي 1,646% .

وحتى الآن ظلت أوضاع السوق الجيدة كما هي في عام 2018.

ولكن على الجانب الآخر، نجد أن متوسط الأجور قد ارتفع بنحو 2.4% فقط العام  الماضي وظل راكداً بشكل فعال نسبة إلى التضخم. وعلى الرغم من تراجع معدلات البطالة إلى أدنى مستوى لها في 17 عام لتصل إلى 4.1%، انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة إلى أدنى مستوياتها في قرابة أربعة عقود بنسبة 62.7% .

وبلا شك هذا الأمر يُشكل صعوبة للوافدين الجدد إلى القوى العاملة مثل الطلاب الذين يتخرجون من جامعاتهم ويحملون على ظهورهم عبء ديون قروض الطلاب البالغة حوالي 1.3 تريليون دولار.

كما أن أولئك غير المتخصصين في الأسواق لا يتمتعون بنفس الثقة التي يتمتع بها من يعمل في وول ستريت؛ ذلك لأن وصول الأسواق لمستويات قياسية لا يعني ضمناً أن الاقتصاد مستقر، وأن خفض ضرائب الشركات بنسبة 40% لا يتم ترجمته إلى نمو الأجور بنسبة 40%.

وكان الفيدرالي قد قام العام الماضي برفع معدلات الفائدة ثلاث مرات. ولكن بسبب خشية البنك المركزي من أن يتسبب رفع معدلات الفائدة بشكل كبير إلى انهيار الأسواق، حرصت على القيام بهذه الخطوة بأقل نسبة رفع ممكنة أي 25 نقطة أساس.

هذا لأن المال الرخيص يعزز بشكل كبير سوق الأسهم، أما رفع معدلات الفائدة بشكل سريع قد يضر سوق السندات.

وخلاصة القول، بلغ إجمالي رفع معدلات الفائدة في عام 2017 إلى 75 نقطة أساس. فمعدلات الفائدة قصيرة الأجل تستقر الآن في نطاق 1.25% إلى 1.50%.

ويتوقع الفيدرالي أن يتحسن سوق العمل والاقتصاد بشكل أفضل في عام 2018 بفضل سياسته التشددية.

وقد قام ترامب بتعيين جيروم باول ليكون خليفاً لجانيت يليت في رئاسة البنك الاحتياطي الفيدرالي بداية من شهر فبراير 1820. وعلى صعيد السياسة النقدية، سيتبع باول نهج سابقيه، جانيت يلين وبن برنانكي، وإن كان يدعو إلى تقليل الرقابة على البنوك الكبرى.

والحقيقة أن البنك الاحتياطي الفيدرالي يخشى من بيع الكثير من السندات في الأسواق الرأسمالية حتى لا ينتج عنها عمليات بيع على نطاق واسع لتلك السندات بثمن رخيص للتخلص منها. وقد يتسبب هذا في تضييق القيود على أسواق الائتمان واحتمالية حدوث ركود، ناهيك عن الخسائر التي ستتعرض لها البنوك الكبرى التي تتعرض لتلك الشركات.

فقد تضاعف مبلغ ديون الشركات المستحقة تقريباً من مستويات ما قبل الأزمة البالغة 3.4 تريليون دولار إلى مستويات قياسية بلغت 6.4 تريليون دولار، مدعومة بأموال رخيصة من بنك الاحتياطي الفيدرالي وانخفاض أسعار الفائدة.

وبحلول 1 أكتوبر 2017، تجاوزت إصدارت ديون الشركات من الدرجة الاستثمارية بالفعل 1 تريليون دولار، لتفوق بذلك وتيرة 2016 بمقدار ثلاثة أسابيع. وكان حجم ديون الشركات من درجة المضاربة (أو غير المرغوب فيها) الصادرة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2017 أعلى بنسبة 17٪ مقارنة بالفترة نفسها من عام 2016.

وإجمالاً، يعني ذلك أن إصدار الشركات الأمريكية من الديون سيصل إلى مستوى قياسي آخر في عام 2018.

ولكن كما أظهر لنا التاريخ مراراً وتكراراً، فإن جميع الفقاعات مُقدر لها الانفجار.

وإلى أن يحدث ذلك الانفجار، فإن بعض الشركات تُصنف على أنها من شركات الزومبي. ويُعرف بنك التسويات الدولية، أو البنك المركزي للبنوك المركزية العالمية، شركات الزومبي على أنها “الشركات التي لا تستطيع العمل دون تدفق للتمويل الرخيص”. وحدد بنك التسويات الدولية في تقريره الربع سنوي الأخير شركة واحدة من كل 10 شركات في الدول الناشئة والمتقدمة على أنها “زومبي”.

تجدر الإشارة إلى أنه قبل حدوث حالات الركود الثلاثة الأخيرة في الماضي، شهدت ديون الشركات الأمريكية غير المالية، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً كبيراً. وفي العام الماضي، وصلت إلى المستويات ما قبل الأزمة في عام 2007. ولم ينتهي الأمر بشكل جيد آفي المرة الأخيرة. فلماذا قد يظن أحدهما بأنها ستنتهي على خير هذه المرة؟ بالإضافة إلى ذلك، فإن الدين في الوقت الحالي كان مدعوماً ليس من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي وحده فقط، ولكن من قبل البنوك المركزية في كل أنحاء العالم.

وبينما كانت الشركات تستخدم في الماضي بعض ديونها للاستثمار في النمو الحقيقي، فإن هذه المرة ظلت استثمارات الشركات منخفضة نسبياً. وبدلاً من الاستثمار في النمو الحقيقي، اتجهت الشركات نحو شراء أسهمها الخاصة بشكل مُفرط، لتعود إلى مستويات إعادة شراء الأسهم في عام 2007.

ولن تقوم الشركات بتحويل أموالها من أسواق الأسهم والسندات إلى الوظائف والأجور.

بالإضافة إلى ذلك، فإن قانون خفض الضرائب من الحزب الجمهوري يخفض معدل الضريبة على الشركات من 35٪ إلى 21٪. ولكن بشكل جماعي، تدفع الشركات الأمريكية الكبيرة متوسط ضريبة فعلية تبلغ نسبتها 18٪ على أي حال. وهي تساهم بنسبة 9٪ فقط من إجمالي الإيرادات الضريبية التي تتلقاها الحكومة الأمريكية كل عام.

وفي الواقع، لم تقم شركات مثل شركة “جنرال إلكتريك” بدفع أي ضرائب خلال عقد من الزمان. ولكن أكثر من ذلك، فإن قانون خفض الضرائب الجديدة ما هو إلا شكل من أشكال المال الرخيص. ووافق على هذا الأمر “جيمي ديمون”، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة جي بي مورجان تشايس.

فقد دعى “ديمون” قانون خفض الضرائب الجديد على أنه جولة رابعة أخرى من التسهيلات الكمية، لتنضم إلى الثلاث جولات التي نفذها البنك الاحتياطي الفيدرالي على مدى العقد الماضي ليصل  الائتمان إلى 4.41 تريليون دولار.

وهو ما يقودنا إلى النقطة الرئيسية وهي أن كل حديث الفيدرالي عن خفض الميزانية العمومية، أو رفع معدلات الفائدة بواقع 75 نقطة أساس، ما هي إلا خدعة في الفصل التالي من نفس المسرحية.

فمنذ أن أعلن البنك الاحتياطي الفدرالي بأنه سيتوقف عن إعادة الاستثمار في مدفوعات الفائدة على السندات التي يحتفظ بها، ظل حجم الميزانية العمومية دون تغيير تقريباً.

فعلى الرغم من حديث الفيدرالي عن خفض الميزانية العمومية، انخفضت الأخيرة بنحو 10 مليار دولار فقط خلال العام الماضي. وظلت القيمة الدفترية للأصول الخاصة بالفيدرالي عند 4.41 تريليون دولار، وهو ما يعادل 23% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

وهذا ليس بالأمرالمفاجئ. فلطالما كان هناك عدم تطابق بين ما يقوله الفيدرالي وبين ما يفعله.

ومن المرجح أن يحافظ رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي القادم، جيروم باول، على توفير المال الرخيص بدلاً من سحبه من الأسواق في حالة حدوث أي تقلبات.

فما يعني كل هذا بالنسبة لعام 2018؟

على الصعيد المالي، سيكون عام غير مستقر مليء بالمزيد من الفقاعات التي تزداد تضخماً بالأموال الرخيصة، يليها حدوث تسريب سيبدأ في سوق السندات أو الديون. وعلى الصعيد الفني، لن تبدأ الشركات بالاستفادة مالياً من قانون خفض ضرائب الشركات إلا بعد انتهاء العام في 2019. وهذه من الأموال الإضافية ستتوجه إلى  عمليات إعادة شراء أسهمها.

وهذا سيساعد على توفير تغطية لأي رفع لأسعار الفائدة يقوم بها الفيدرالي، لأنه يوفر للشركات القدرة على زيادة أسعار أسهمها الخاصة.

وفي الوقت نفسه، فإن وزارة الخزانة، والبنك الاحتياطي الفيدرالي وغيرها من السلطات التنظيمية الأصغر في واشنطن سوف يتم دفعها إلى إلغاء الضوابط في الأنظمة المالية والقطاع المصرفي على أي مستوى ممكن.

فإذا وقعت أزمة مالية أخرى في عام 2018 أو بعد ذلك، ستكون أسوأ من الأزمة الأخيرة لأن النظام يفتقر إلى الإصلاح بشكل أساسي، وأن البنوك لا تزال أضخم من أن يُسمح لها بالإفلاس وأن الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى لا تزال مستمرة في السيطرة على تدفق الأموال لتلك البنوك (ومن خلال الأسواق) من خلال الحفاظ على تكلفة رخيصة للأموال.

وسيستمر هذا الوضع لفترة من الزمن إلى أن يأتي الوقت ويتوقف. ويبدأ يوم الحساب. وتصبح أخطاء الماضي مُتجسدة بشكل مخيف لا يمكن لأحد تجاهلها.

وللأسف، لن يستطيع أي أحد مهما كان سلطته إصلاح ما أفسده الآخرين.

نبذة عن الكاتب

يسرا منتصر

يجمع موقع TradeCaptain.com مجموعة من الخبراء الرائدين في التداول الإلكتروني، والذين يقومون بإنتاج المحتوى التعليمي والفني، الذي من شأنه دعم كل متداول خلال مسيرته الاستثمارية. يقوم فريق خبرائنا أيضاً بتحديد المعلومات والأحداث التي لا بدّ لها من التأثير على الأسواق، ما يساعد المتداولين على توقع مختلف تحركات السوق والتقاط أفضل القرص.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image
  • Instagram Image